الأعصاب مشدودة، نبضات القلب تتسارع…
أحاول الاتّصال بالسّيدة عفاف، لكن الخطّ مشغول!!
(يا رب، كما وفّقتني في الحصول على إجازة اختصاصيّ العلوم السّياسية والهندسة، فيسّر لي “سنة المواد” في ماجستير “العلاقات الدولية”، لأنتقل لمرحلة “إعداد الرسالة”، ثم “الدكتوراه” كما أحلم…)
أعاود الاتصال من جديد، لكن الخطّ ما زال مشغولا!
(هذه محاولتي ما قبل الأخيرة، فأنا لم أتوفّق السنة الفائتة، وإلا أُمنع من متابعة الدراسة في الجامعة اللبنانية، وبالتالي ينتهي الحلم)
أُعيد المحاولة للمرة الرابعة أو الخامسة … و فجأة أسمع : “ألو”
(وأخيرًا… لا أصدّق)
-ألو، ألو سيدة عفاف، العلامات رجاء، العلامات!
-نعم، لحظة (واللحظة ساعات في هكذا مواقف!!)
ثم تأتي مُدويّة …”مبروك نجحت”
كدت أُجنّ، كدت أطير من الفرح…
سريعًا اسأل:” والبقية؟ باقي الزملاء؟
-لا، فقط أنت وفاطمة وباقي الطلاب كلّهم رسبوا (في تلك الامتحانات التي تستغرق مدّة خمس ساعات)!
-هل لي بعلاماتي رجاءً؟
-نعم، العلامة الأولى، العلامة الثانية،…
كنت أكتبها على ورقة في المكتب حيث أعمل، ثم أغلقت الخطّ… لكن مهلًا!! فبالرغم من أن مجموع علاماتي ناجح فعلًا، لكنّني رسبت في مادتين، وذلك ممنوع في قانون النجاح في الجامعة! إذًا، كيف قالت لي نجحت؟!
“هم أدرى” يقولها صوت في داخلي، ” كما أنّ علامة الرسوب ظالمة، فالدكتور معروف بذلك” يُكمل صاحبنا،
“لكن لا، الأمانة تقتضي المصارحة، أُخاطب ذلك الصوت.
“لماذا تتفنّن في سلب الأفراح؟! أليست النية تسخير النجاح لخدمة الأمة؟! ثمّ هم (الجامعة) اعتبروك ناجحًا فكفى مزايدات” يعود الصوت مُجدّدا…
“ربما الظلم في التصحيح، وهو قائمٌ فعلًا، يُعتبر مبررًا ” قلت في نفسي مترددًا!
اتّصلت بأحد علماء الشريعة أسأله:” هل يجب الاعتراف؟ فأنا لم أكذب ولم أغشّ بالأصل!!” أو على الأقل هكذا أقنعني الصوت الأول!
لكنّ الجواب جاء من العالم: “نعم قطعا ينبغي الاعتراف” كما كنت أتوقع. أغلقت الهاتف، “لكنه لا يعلم التفاصيل، لا تقضي على ما تريد به خدمة أمّتك…” عاد الصوت من جديد، ثم بدأتْ أصوات بعض المقرّبين والأصحاب الذين استشرتهم…أصوات حقيقية هذه المرة!! “مجنون” قالها أحدهم…”هم نجّحوك، انتهى” زاد آخر…
لكن لا…أهملت الجميع خاصة ذاك الصوت الداخلي المؤثّر، اتخذت قرارا بالمصارحة، مُصارحة من نجّحني أي السيدة عفاف.
أخذت إجازة من العمل، ثم توجّهت إليها… فجاء الجواب كما كنت متوقعًا:
“واضحة، أُلغي النجاح”…
لكن لا، لم أندم، فالفرصة الأخيرة أمامي مع أن ظلمًا في التصحيح قد يتكرر، اجتهدت في الأخذ بالأسباب متوكّلًا على الله… وأنا اليوم قد نلت الماجستير وأنهيت الرّسالة بتفوّق بتوقيق الله…
سألني صديقي محمد بعد مدّة، ماذا لو عاد بك الزمن وتكرّرت الحالة نفسها (نجّحوك خطأً) في الدورة الأخيرة؟ هل كنت لتعترف حينها أيضًا؟ هل ستُنهي مستقبلك العلمي؟
سؤال صعب حقيقة! تمنّيت ألا أُوضع في اختبار مماثل، فهو أصعب من كل امتحانات العلاقات الدولية الطويلة!
تحضرني الآن قصة الصحابي الجليل كعب بن مالك(1) مع خُلق الصدق، ربما صرت أفهم الصوت الذي دعاه للكذب أمام رسول الله…نعم هو نفسه ذلك الصوت في داخلي، وأسمع صوت أصحابه حوله الذين حضّوه على الرجوع والكذب بعد أن صدق…هو هو صوت أصحابي! وأفهم امتحانه الصعب بعد رسالة ملك الغساسنة له (2)، فهي بمثابة حالتي في الدورة الثانية إن أُعيد الخطأ، لكنّه ثبت وأحرق الرسالة بالتنّور، كما أحرق كل الأصوات قبلها، فكانت النتيجة فوزًا مدويًّا وتخليدًا لذكره في القرآن “وكونوا مع الصادقين(3)” .
عودًا إلى سؤال صديقي محمد عن ردّة فعلي في حال أُعيد الخطأ في إعلان النجاح، فلعلّ حديث نبينا عليه الصلاة والسلام هو المفتاح:
“لا تتمنّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، إذا لقيتموهم فاثبتوا (4)”
ثبتنا يا رب على حمل مسؤولية ديننا بأمانة..ثبتنا يا رب على الأخلاق، على خُلق الأمانة، فهو غاية الصدق… الصدق مع النفس والذات قبل الصدق مع الآخر! ثبّتنا عند الامتحان الأصعب، عند لقاء العدو…فالخيانة، الكذب، الغشّ هي العدو…هي العدو الحقيقي، فثبّتنا…


جهاد فتح الله
مُرشد طلابي ومُدرّس مادة التربية الإسلامية

ماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية – الجامعة اللبنانية
ليسانس في العلوم السياسية – الجامعة اللبنانية
ليسانس في الهندسة الكهربائية – جامعة بيروت العربية
شهادة تحضيرية لماجستير الدراسات الإسلامية – جامعة بيروت الإسلامية

[1] صحابي جليل تخلّف عن غزوة تبوك مع رسول الله،فحدّثته نفسه بالكذب عليه واختلاق الأعذار لتخلّفه عن الغزوة، لكنّه اعترف بأنه قصّر وتخلّف عن المعركة دون سبب، فعوقب بمقاطعة أهل المدينة له، فصبر ثم تاب الله عليه. قصّته في كتاب رياض الصالحين- باب التوبة.

[2] هي الرسالة التي حاول ملك الغساسنة استمالة كعب بن مالك بها للقدوم إليه وترك المدينة بعد حكم رسول الله عليه الصلاة والسلام بمقاطعة أهل المدينة له.

[3] آية 119 من سورة التوبة (نزلت في كعب بن مالك وصاحبيه).

[4] حديث نبوي شريف درجته حسن، الراوي ابن حجر.