مَنْ مِنّا لم يتعرّض للتّنمّر في مرحلةٍ من مراحل حياته الدراسيّة أو حتّى المهنيّة؟

مَنْ مِنّا لم يصادف يومًا طالبًا يتعرّض للتنمّر وآخَر يستهويه حبّ التّنمّر؟

مَنْ مِنّا لم يخبره ابنه أو ابنته عن تلك الكلمات الّتي سَمِعَها والتي جعلتْهُ يُعيد التفكير في نِعَمٍ وَهبَها له الرّحمن؟

فمهما كنتَ على درجةٍ من الجمال أو النّجاح أو التّقوى، لا بدّ أن تتعرّض للتّنمّر بمحاولةٍ بائسة لإسكاتِ جمالك أو للاستخفاف بنجاحك أو للاستهانة بتقواك. ولطالما كنا نستمعُ إلى شكاوى عن التّنمّر ضحيّتها نحن أو أبناؤنا أو أصدقاؤنا، ولكن هل استمَعْنا يومًا إلى شكاوى عن التنمّر نحن أبطالها أو أبناؤنا أو أصدقاؤنا؟ 

“التّنمّر” هذا العنوان الصّغير الذي يَنْدَرج تحت إطاره أكبر المشاكل والعقد النّفسيّة التي قد تودي أحيانًا إلى ما لا تُحْمَدُ عُقباه. لقد بِتْنا في الآونة الأخيرة لا نجد مقالًا أو حديثًا أو خبرًا إلّا ويترافق معه الكثير من التّعليقات التي لا تخلو من التّنمّر.

 ألهذا الحدّ بات الإنسان خاليًا من مشاعر الإنسانيّة والانفتاح والتّقبّل؟ ألهذا الحدّ بات العالم مليئًا بالنّفوس الجاهلة المريضة؟

لكن كيف عسانا نتخلّص من هذا الكمّ الهائل من التّنمّر المُسيطر على حياتنا وتصرفاتنا؟ لا، لم يفت الأوان بعد، فالمسؤوليّة تقع على عاتق كلّ فردٍ منّا. لمّ لا نبدأ تعليم أبنائنا للدين الحنيف بتعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي طليعتها “لا يؤمِن أحدُكم حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه”، فإذا تربّى أبناؤنا على هذا الشّعار وعرفوا معناه وطبّقوه بحذافيره نكون قد قطعنا مسافةً بعيدة كلّ البُعد عن التّنمّر وما قد يصحبه من اختلافات ومشاكل بين الأقران. فلنبدأ جميعنا بتنمية سمة الانفتاح وتقبّل الآخر عند أولادنا منذ نعومة أظفارهم. وكما نعلّمهم أنّ السّرقة لا تجوز وأنّنا لا يجب أن نأكل من مالٍ حرام، لمَ لا نعلّمهم أن التّنمّر لا يجوز وأنّنا لا يجب أن نتفوّه بكلمات جارحة قد تدمّر الآخر. فلنزرع في نفوس أولادنا ضرورة مراجعة تصرّفاتهم وكلماتهم كل ليلةٍ قبل أن يناموا فيراجعوا أنفسهم على كلّ هفوةٍ قد تكون بدَرت منهم ويقومون بإصلاح ما أفسدوه قبل فوات الأوان. ماذا لو علّمنا أولادنا أنّ كِبَرَ النّفسِ يكون بالإعتذار عن الخطأ، وأنّ الشّجاعة الحقيقيّة تكون بطلب السّماح وأنّ المروءة تكون بالعفو عن الإساءة. عسى أن تطغى الكلمات الجابرة للخواطر بدل تلك الكاسرة للنّفوس وعسى أن نَنْعمَ بمجتمعٍ فاضلٍ لنا ولأبنائنا لنعيش معًا بأرواحٍ سامية ونفوسٍ تَقيّة مُحبّة.

رائدة قمر- معلّمة لغة عربيّة  في مدرسة الحياة الدّوليّة
حاصلة على إجازة تعليميّة في التّرجمة والتّعريب
مترجمة محلّفة لدى المحاكم