بقلم: آلاء ديار بكرلي

كعادتي استيقظت هذا الصّباح، حضّرت فنجان قهوتي، وجلست أمام الشّرفة لأختلي مع نفسي قليلًا، علّني أعيد ترتيب أولويّاتي التي لا تنفكّ يد التكاسل عن دغدغتها ومحاولة الاستحواذ عليها بين الحين والحين. نظرت إلى البعيد، وضعت برنامجي اليومي على الورقة وشطبته مرّات عديدة، عدّلت هنا خطّةً وهناك فكرة..ورحت أنكفئ حول نفسي كما تنكفئ الأمّ حول مولودها الجديد، أفكر في أسئلة تقرّع ذاكرتي منذ استفحال أزمة “كورونا” بين البشر..من أنا؟ وما الذي يحصل حولي؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ في الأصل، وكما كنت ألمس عمق نفسي منذ سنتين: أنا تركيّة النّسب والملامح، بيروت في المنشأ والهويّة وحيث يكبر القلب يهيم. وفي الفكر أنا مشتتّة في كلّ أصقاع الأرض وبضع بقايا السّماء، إلّا أننّي إذا ما مالت الرّوح أميل إلى الجنوب: إلى القبّة المقدسيّة، حنين طفلٍ فقد مكانًا ما عاد يذكره. وأميل وأميل..ولا ينتهي بي المطاف في النّسب الذّاتي مهما تغرّيت الرّوح إلى غير التّراب. هذا ما كنت أعرفه عن نفسي! أنظر في كلّ اتّجاه ولا أعود بالدّرر واللّآلئ، وأكمل السّير دونما اتّجاه.. ولكنّ ثمّة تحوّل حصل ولم يكن بعيدًا، لم يكن مؤقّتًا، نعم لقد حصل وما زال يحصل وأنا مأخوذة نحوه بذهول واطمئنان.. من الغريب بعد هذا الانغماس الرّوحي الذي خضته في الكليّات من حولي أن أتحدّث عن الجزئيّات، كأن أذكر مكان عملي! فقلّما يؤثّر الحيّز المكاني الجديد على إنسان بلغ من العمر السابعة والعشرين بنفسٍ ما زالت تبحث عن استقرارها، ولكنّه فعل. أنا الآن، رغم جفاف قلمي لما نمرّ به من أزمات وتقلّبات وطنية ولما نعانيه من خوفٍ بشري صبّته في قلوبنا جرثومة لا ترى بالعين المجرّدة صار بإمكاني أن أجد نفسي من جديد بعقليّة أكثر انفتاحًا وتساؤلًا بل والأهم أن أعود من كل الاتّجاهات بالدّرر. في تلك اللحظة حملت ورقةً ورحت أكتب بتوليفة عجيبة ذات محاور ثلاثة: أنا، الكورونا، المنطق. أكتب عن حلّ للأزمة نابعٍ من ذبذبات فكريّة وقلبية بمنظار جديد ذي رؤية واضحة جعلتني أرى به “مدرسة الحياة” الأمور.

         لقد سمعنا الكثير من الأفكار والحلول البليغة لتخطّي هذه الأزمة، والكثير من الناس عالقين في أنماطهم التقليديّة غير قادرين على تخطّيها. اليوم نرى مدنًا صغيرة تتعامل مع هذا الوباء بوعي تجاوز مدنًا ذات جنسيّات تُضرب لها التحيّة. وحيال كل ما يحدث وما يُقال، وجدت نفسي أستحضر حكمًا من مصادر عديدة تمامًا كما اعتدت في عملي أن أفعل، أن لا أذهب إلى المعرفة متّخذةً سبيلًا واحدًا، بل أن أعود إلى الكثير والكثير من المصادر كي أقدّم المعلومة لطلّابي خالصة متألقة بعد مقارنتها بآلاف المعلومات. استحضرت من قرآننا الجليل الآية القائلة ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) بل وأحسنوا في النّصائح والكلمات.. وعدت إلى حديث الرّسول عليه الصلاة والسلام ((لا ضرر ولا ضرار))، فلمَ يتقلّب الكثيرون في الأحكام ويسيطر عليهم الخوف وكلام الله واضح؟! ورحت أتّخذ سبيلًا آخر في ذاكرتي، فاستحضرت فيه آيةً إنجيليّة كنت قد قرأتها، قال فيها أحد القدّيسين “لا ترتئي فوق ما ينبغي أن ترتئي، بل ارتئي إلى التعقّل”. وأجدني وقد كثرت النظريّات والثرثرات والتفسيرات الدينية التي ما أنزل الله بها من سلطان،  والتي لا تسمن ولا تغني من جوع أستخلص علاجًا بسيطًا وآنيًا حيال جرثومة قد تكون وهميّة، صناعيّة، بداية حرب بيولوجيّة! لا يهمّ، المهمّ هو سبيل الوقاية وحماية أهلي ومن حولي والعودة إلى التّعليمات الطبيّة التي تؤكّد جوهر التعليمات الدينيّة في الطّهارة والنّظافة، الوقاية بالعلم من شرارات الجهل التي راحت تطال العقول بلا وعي وتفكّر.

         لوهلة، وبعد أن شرعت أكتب وأكتب وجدت نفسي في أروقة المدرسة أحمل كتبًا عديدة وأبحث بها عن مفهومٍ واحد، وتمرّ أمامي الوجوه المبتسمة وترحّب من هنا وهناك، والكلّ يلوّح منتظرًا تلك العودة التي نحاول قدر المستطاع، بالعلم، تحقيق غايتها عبر لقاءاتنا الالكترونيّة. فسلام للمكان وللمنهج والرّوح!       

*آلاء ديار بكرلي: كاتبة ومعلّمة اجتماعيات ولغة العربيّة. حاصلة على ماجستير في اللغة العربية.